اهلا وسهلا بكم في موقع الخطباء هذا الموقع قيد التطوير الرجاء الانتقال الى موقعنا بالضغط على هذه الرسالة

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

12999

الداعية الأول (تجربة)

التصنيف الرئيسي : الأخلاق المحمودة
التصنيف الفرعي : الإيمان
تاريخ النشر : 1438/4/12
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/ شرف الدعوة وفضلها 2/ بداية الدعوة في المدينة وطلب أهلها من الرسول -صَلى الله عليه وسلم-أن يرسل إليهم من يعلمهم 3/ اختيار النبي –صلى الله عليه وسلم- لمصعب بن عمير ليكون داعية في المدينة وبعض مميزاته 4/ قيام مصعب بالدعوة وبعض الصحابة الذين أسلموا على يديه 5/ بعض الغزوات التي شهدها مصعب بن عمير واستشهاده وتكفينه 6/ ما أحسن أثر الدعاة على الناس وما أقبح أثر الناس عليهم
اقتباس

أول من دعا إلى الله -عز وجل- في المدينة المنورة، أول من دخل نور الإسلام في بيوت الأوس والخزرج بسبب السيد الجليل، والبطل الضرغام الإمام المقرئ الشهير: مصعب بن عمير، ذاك الرجل المبارك الذي…

 

الخطبة الأولى:

 

(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ * يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ) [سبأ: 1 – 2].

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في سبيل ربه حق جهاده، ولم يترك شيئا مما أمر به إلا بلغه، فتح الله به أعينا عميا، وأذانا صما، وقلوبا غلفا، وهدى الناس من الضلالة، ونجاهم من الجهالة، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، وهداهم بإذن ربه إلى صراط مستقيم.

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وصحبه، ومن اقتفى أثره، واهتدى بهداه.

 

أما بعد:

 

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صَلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 

وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، و(إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ) [الأنعام: 134].

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 102].

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء: 1].

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 70 – 71].

 

أيها المسلمون -عباد الله-: فإن الدعوة إلى الله -عز وجل- هي أشرف المهام، وأهم الوظائف، وأحسن المهمات، وهي التي قام بها أنبياء الله ورسله -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- وعلى رأسهم خيريهم وخاتمهم: محمد -صَلى الله عليه وسلم-: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [يوسف: 108].

 

ولا زال في تاريخ المسلمين رجال من الدعاة: (صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ) [الأحزاب: 23] كان لهم أبلغ الأثر في هداية الناس، كانوا شموعا تضيء في ظلام هذه الدنيا، وكانوا دالين هداة إلى الله -عز وجل- بأفعالهم وأقوالهم وأحوالهم.

 

أول من دعا إلى الله -عز وجل- في المدينة المنورة، أول من دخل نور الإسلام في بيوت الأوس والخزرج بسبب من؟ السيد الجليل، والبطل الضرغام الإمام المقرئ الشهير: مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف القرشي، ذاك الرجل المبارك الذي بعث به رسول الله -صَلى الله عليه وسلم-هاديا  (وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا) [الأحزاب: 45 – 46]، فسرى نور الإسلام في المدينة ببركة السيد المجاهد -رَضي الله عنه- الذي دعا إلى الله –عز وجل- ليلا ونهارا سرا وجهارا.

 

يقول كتاب السير: لما أراد الله -عز وجل- بالأنصار خيرا خرج رسول الله -صَلى الله عليه وسلم-في موسم الحج يعرض على القبائل يدعوهم إلى الله يقول لهم: “قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، من ينصرني؟ من يؤويني حتى أبلغ رسالة ربي؟”

 

رأى صلوات ربي وسلامه عليه ستة من الناس ممن قدموا إلى الحج، فقال لهم صلوات ربي وسلامه عليه: “من القوم؟” قالوا: من الخزرج، قال: “أمن موالي يهود؟” قالوا: “نعم، وكان هذا من جميل صنع الله بنبيه محمد -صَلى الله عليه وسلم-، فتلا عليهم القرآن ودعاهم إلى الإسلام، فتهللت وجوههم، وأشرقت أساريرهم، وصار نور الإسلام في قلوبهم، فآمنوا في مكانهم، وكان اليهود يسكنون المدينة، وكانوا أهل علم بالكتاب الأول، وكان الأوس والخزرج أناس أهل شرك ووثن، وكان تقوم بينهم وبين اليهود حروب ووقائع الغلبة دائما للأوس والخزرج.

 

وكان اليهود يخوفونهم ويرجفون بهم يقولون لهم: إن نبيا قد أطل زمانه نوشك أن يبعث فنتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم.

 

لما تلا رسول الله -صَلى الله عليه وسلم-عليهم القرآن ودعاهم إلى الإسلام تهامس القوم فيما بينهم، قالوا: “تعلمون والله إنه النبي الذي تخوفكم به يهود فلا يسبقونكم إليه“.

 

أسلم هؤلاء الستة -رضوان الله عليهم- وبايعوا رسول الله -صَلى الله عليه وسلم-البيعة الأولى على ألا يشركوا بالله شيئا، ولا يسرقوا، ولا يزنوا، ولا يقتلوا أولادهم، ولا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم، ولا يعصون رسول الله -صَلى الله عليه وسلم-في معروف، قال لهم: “فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فأمره إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له“.

 

ثم رجع هؤلاء إلى المدينة، وكاتبوا رسول الله -صَلى الله عليه وسلم-: أن ابعث إلينا رجلا من أصحابك يعلمنا العلم، ويقرؤنا القرآن، فما طالت حيرة رسول الله -صَلى الله عليه وسلم-، ولا كثر تردده، بل وقع اختياره على هذا السيد الجليل، على مصعب بن عمير، الذي كانت تميزه جملة أمور:

 

أولها: غزارة علم.

 

ثانيها: حسن صوت بالقرآن.

 

ثالثها: قوة حجة.

 

رابعها: سكينة ووقار تخالف خفة وطيش، ثم صبرا في الدعوة إلى الله، ودأباً في تعليم دين الله -عز وجل-.

 

خرج مصعب بن عمير -رَضي الله عنه- مفارقا الأهل والمال والوطن، مهاجرا في سبيل الله بأمر رسول الله -صَلى الله عليه وسلم-يدعو إلى الله يبصر الناس بدين الله –عز وجل-، نزل على أسعد بن زرارة سابق الأنصار -عليه من الله الرضوان- نزل على هذا الرجل الجليل، وبدأ أسعد يجمع الناس لمصعب يدعوهم إلى الله، ما زال الناس يسلمون واحد بعد آخر، إلى أن كان يوم من الأيام اجتمع أسيد بن حضير مع سعد بن معاذ، وكلاهما سيد من سادات المدينة، قال سعد بن معاذ لأسيد: لا أبا لك انطلق إلى هذين فانههما، فإنهما قد جاء يسفهان ضعفائنا، ويضللان قومنا، لولا ما بيني وبين أسعد بن زرارة لسرت إليهما، فهو ابن خالتي.

 

انطلق أسيد بن حضير -رَضي الله عنه- حاملا حربته، وقف على مصعب بن عمير شاتما مهددا متوعدا، يقول له: “يا شريد يا طريد يا غريب جئت إلى ديارنا تسفه أحلامنا، وتغير ديننا، وتفتن ضعفائنا، والله لئن لم تنته لأفعلن بك كذا وكذا؟”.

 

مصعب -رَضي الله عنه- تلميذ محمد -صَلى الله عليه وسلم-لا يواجه الإساءة بالإساءة، ولا القبح بالقبح، ولا الفحش بالفحش، بل قرأ فيما نزل من القرآن: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) [فصلت: 34]، (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ) [المؤمنون: 96]، قرأ في القرآن: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) [الأعراف: 199].

 

قال له مصعب -رَضي الله عنه- بمنطق المؤمن الهادئ الواثق بنصر ربه: “ألا جلست فسمعت منا فإن أعجبك ما نقول فذاك الذي نبغي، وإن كرهت ما نقول كففنا عنك ما تكره؟”.

 

قال له أسيد -رَضي الله عنه-: “لقد أنصفت“، فجلس رضي الله عنه مرتكزا على حربته، وبدأ مصعب يقرأ القرآن، ما يزيد على ذلك، يقول الصحابة -رضي الله عنهم-: فوالله لقد عرفنا الإسلام في وجه أسيد قبل أن ينطق لما رؤوا من تهلل وجهه صار نور الإيمان في قلبه خالطت بشاشته فؤاده رضي الله عنه.

 

قال: “ما أحسن هذا الكلام وأطيبه، ماذا يصنع من أراد الدخول في دينكم؟” قال له مصعب -رَضي الله عنه-: “يغتسل ويشهد شهادة الحق” فعل الرجل ذلك، صلى لله ركعتين، ثم قال لمصعب: “إني سأبعث إليك برجل هو سيد قومه فاصدق الله فيه فإن أسلم كان قومه تبعا له”.

 

رجع رضي الله عنه إلى سعد بن معاذ، قال له سعد: ماذا صنعت؟ قال: قد أتيتهما فوالله ما رأيت بهما بأسا، ولقد نهيتهما عما يفعلان، فقالا: نجيبك إلى ما تريد، لكنني حدثت أن بني حارثة قد خرجوا يريدون قتل أسعد بن زرارة، وقد علموا أنه ابن خالتك وإنما أرادوا أن يحقروه.

 

فقال له سعد: ما أغنيت عني شيئا، ثم خرج رضي الله عنه مغضبا مخوفا للذي قال أسيد حاملا حربته، فلما رأى أسعد بن زرارة ومصعب بن عمير ومن معهما هادئين قارين علم أن سيده قد خدعه، وإنما أراد له أن يسمع مثل الذي سمع.

 

وقف سعد -رَضي الله عنه- موقف أسيد مشتما متهددا متوعدا، يقول لمصعب وأسعد بن زرارة: “ابق على أنفسكما إن كانت لكما بها حاجة” يتهددهما بالقتل.

 

فقال له مصعب: “هلا جلست فسمعت منا فإن أعجبك ما نقول فذاك الذي نبغي، وإلا كففنا عنك ما تكره؟“، قال: “لقد أنصفت” جلس -رَضي الله عنه- فسمع القرآن، وشهد شهادة الحق، ثم رجع إلى قومه من بني عبد الأشهل جمعهم، فقال لهم: “أي رجل أنا فيكم؟” قال: “أيمننا نقيبة، وأحسننا حالا، وأطولنا يدا” يثنون عليه بمكارم أخلاقه.

 

قال لهم: “فإن كلامي من كلامكم حرام، وطعامي من طعامكم حرام، حتى تؤمنوا بالله ورسوله”، فما غربت شمس ذلك اليوم إلا وبنو عبد الأشهل جميعا مسلمون، رجالهم ونساءهم هؤلاء جميعا في ميزان مصعب يوم القيامة.

 

أيها المسلمون -عباد الله-: إن مصعب بن عمير -رَضي الله عنه- دعا إلى الله على بصيرة، كان شعاره ودثاره، ودينه وديدنه: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [النحل: 125] هذا شعار مصعب -رَضي الله عنه- وهذا هو حاله.

 

ثم بعد ذلك تتابع إسلام الناس، وكانت البيعة الثانية، ثم إن رسول الله -صَلى الله عليه وسلم-هاجر إلى المدينة، فبقيت لمصعب قدم صدق في الإسلام، ما اكتفى -عليه من الله الرضوان- بأن يكون داعية إلى الله بلسانه، بل كان يدعو إلى الله بلسانه وسنانه،كان مجاهدا في الله بقوله وفعله.

 

لما كان يوم بدر وهو يوم الفرقان الذي فرق الله فيه بين الحق والباطل، خرج مصعب -رَضي الله عنه- مع أولئك المجاهدين -عليهم من الله الرضوان- لقيادة رسول الله -صَلى الله عليه وسلم-، فدفع النبي -صَلى الله عليه وسلم-راية المهاجرين إلى مصعب، وراية الخزرج إلى الحباب بن المنذر، وراية الأوس إلى سعد بن معاذ، ثم حمي الوطيس، واحمرت الحدق، وتنزل نصر الله –عز وجل-، قتل المسلمون سبعين من صناديد الكفر، وأسروا مثلهم.

 

لما كانوا في مر الظهران مكان بين مكة والمدينة أمر النبي -صَلى الله عليه وسلم-بأن يستعرض الأسرى بأن يمروا عليه، رأى من بينهم رجلا يقال له: النضر بن الحارث، كان عظيم العداوة لله ورسوله صادا عن سبيل الله، إذا سمع رسول الله -صَلى الله عليه وسلم- يرتل القرآن يقول لقومه: (أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) [الفرقان: 5]، تعالوا إلي فإن معي حديثا كالذي مع محمد”، ويقص عليهم أخبار رستم يصد عن سبيل الله –عز وجل- بذلك.

 

يعذب الصحابة المستضعفين -عليهم من الله الرضوان- لما رأى رسول الله -صَلى الله عليه وسلم-ذلك الكافر الصنديد نظر إليه فأبده بصره أدام إليه النظر، ثم مر مع من مر، فلقي النضر بن الحارث مصعب بن عمير، قال له: يا مصعب أنت أقرب من ها هنا إلي نسبا، وإن صاحبك قد نظر إلي نظرة رأيت فيها الموت، فكلم محمدا أن يجعلنا كرجل من أصحابي إن قتلهم قتلني، وإن من عليهم من علي؟ فقال له مصعب -رَضي الله عنه-: “قد كنت تقول في رسول الله -صَلى الله عليه وسلم-كذا وكذا، وكنت تقول في كتاب الله كذا وكذا”، فقال له النضر بن الحارث: “كلم صاحبك أن يجعلني كرجل من أصحابي، يسري علي ما يسري عليهم“، فقال له مصعب: “قد كنت تعذب المسلمين وتؤذي المؤمنين” يذكره بجرائمه. فلما أيس قال لمصعب: “يا مصعب والله لو أرادت قريش قتلك ما  أمكنهم ذلك وأنا حي”، فقال له مصعب: “إني لأراك صادقا، ولكني لست مثلك، فإن الإسلام قد قطع العهود”: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [المجادلة: 22].

 

مصعب -رَضي الله عنه- آبى أن يشفع لذلك الكافر الذي عاد الله ورسوله، فقتل شر قتلة، ثم بعد ذلك مر -رَضي الله عنه- على رجل من الأنصار، يقال له: محرز، يسوق أخا مصعب لأبيه وأمه، أبا عزيز بن عمير كان أخا لمصعب أخا شقيقا يسوقه مقرنا في الأصفاد، أسيرا في الأغلال، ماذا قال له مصعب -رضي الله-؟ قال لذلك الأنصاري: “اشدد وثاقه، وأغل فداءه، فإن أمه ذات مال”، قال له أبو عزيز: “أهذه وصاتك بي يا أخي؟!” قال له مصعب: “لا والله إنه أخي دونك”، هذا الأنصاري “هو أخي دونك” مثلما قال للنضر: “قد قطع الإسلام العهود”: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [المائدة: 54].

 

ثم لما كانت موقعة أحد في شوال من السنة الثالثة من الهجرة سأل رسول الله -صَلى الله عليه وسلم-أصحابه لواء قريش مع من؟ قالوا مع عثمان بن طلحة، قال صلوات ربي وسلام عليه: “نحن أولى بذلك منه أين مصعب بن عمير؟” قال: أنا ذا يا رسول الله، فدفع إليه اللواء.

 

مكث -رَضي الله عنه- يقاتل ثابتا كالطود الأشم لما مكث الناس ما ولى الأدبار ولا توارى عن الأنظار، ولا بحث عن نجاة نفسه، بل بقي حاملا لواء الإسلام، لواء رسول الله -صَلى الله عليه وسلم-، حتى جاء ابن القمئة -لعنه الله- فضرب وطعن مصعب -رَضي الله عنه- طعنة نكراء، ثم رجع يصيح في الناس: “إني قد قتلت محمدا“.

أيها المسلمون -عباد الله-: إن مصعب بن عمير -رَضي الله عنه- دعا إلى الله على بصيرة، كان شعاره ودثاره، ودينه وديدنه: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [النحل: 125] هذا شعار مصعب -رَضي الله عنه- وهذا هو حاله.

 

أيها المسلمون -عباد الله-: بعد ما انجلى غبار المعركة ووضعت الحرب أوزارها، نظر رسول الله -صَلى الله عليه وسلم-إلى مصعب بن عمير مجندلا في التراب، فقال: “أشهد بالله ما رأيت شابا في مكة أنعم نعمة، ولا أحسن حلة من هذا، وقد فعل به حبه لله ورسوله ما فعل، هو شهيد وأنا عليه شهيد”، ثم أرادوا أن يكفنوه ما وجدوا إلا بردة إن غطوا بها رجليه بدا رأسه، وإن غطوا رأسه بدت رجلاه، فقال رسول الله -صَلى الله عليه وسلم-: “غطوا رأسه، وضعوا على رجليه الإذخر”.

 

كان من شهداء أحد ممن جعل الله أرواحهم في حواصل طير خضر، تأكل من ثمار الجنة، وفيهم نزل قول ربنا -جل جلاله-: (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) [آل عمران: 169 – 171].

 

أيها المسلمون -عباد الله-: ما أحسن أثر الدعاة إلى الله –عز وجل- على الناس، وما أقبح أثر الناس عليهم، ما أعظمهم نصرة لدين الله -عز وجل- إن صدقوا ما عاهدوا الله عليه ووافقت أفعالهم أقوالهم، وصدقت أحوالهم دعواهم، أولئك على خطى محمد -صَلى الله عليه وسلم-.

 

أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعلنا منهم، وأن يرزقنا حبهم، وأن يوفقنا للاقتداء بهم، والسير على نهجهم، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

 

توبوا إلى الله واستغفروه.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.

وأشهد أن لا إله إلا الله إله الأولين والآخرين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله النبي الأمين، بعثه الله بالهدى واليقين: (لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ) [يــس: 70].

اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى إخوانه الأنبياء والمرسلين، وآل كل وصحب كل أجمين، وأحسن الله ختامي وختامكم، وختام المسلمين، وحشر الجميع تحت لواء سيد المرسلين.

 

أما بعد:

 

أيها المسلمون: فاتقوا الله حق تقاته: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [النـور: 31].

 

واعلموا أن من نعم الله علينا في هذه البلاد: أن أبواب الدعوة مفتوحة، والأسباب لها مبذولة: (فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [الحجرات: 8].

 

ما زالت هذه البلاد تفتح ذراعيها للدعاة إلى الله –عز وجل- من داخل البلاد وخارجها.

 

اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها…

 

الملفات المرفقة
%d8%a7%d9%84%d8%af%d8%a7%d8%b9%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%88%d9%84
عدد التحميل 0
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عبد الحي يوسف
مواد الكاتب
مواد في نفس المحور
التعليقات

تم اغلاق التعليقات