اهلا وسهلا بكم في موقع الخطباء هذا الموقع قيد التطوير الرجاء الانتقال الى موقعنا بالضغط على هذه الرسالة
ملتقى الخطباء > ركن الخطب > المناسبات > باعتبار مواسم العبادات > الحج > ‘لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا‘.. الوداع التاريخي

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

1731

‘لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا‘.. الوداع التاريخي

التصنيف الرئيسي : الحج التربية
التصنيف الفرعي : السيرة النبوية
تاريخ النشر : 1431/11/27
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/ مشهد الخروج من المدينة 2/ التلبية 3/ ركب الأنبياء 4/ التعبّد والدعاء 5/ عرفة والخطبة 6/ الخاتمة والوداع
اقتباس

“لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا”، كلمات محزنات، تلين لها القلوب، وتدمع لها العيون، قيلت من صاحب القلب الرحيم -صلى الله عليه وسلم-، خاطب بها أصحابه، وما أدراك مَنْ أصحابه؟! أولئك الذين تعلقت قلوبهم برسول الله، أولئك الذين امتلأت نفوسهم ومشاعرهم بمحبة رسول الله، ولا أدري ما حالهم حينما سمعوها من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا”، وهم الذين صحبوه قرابة ربع قرن من الزمان …

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

عباد الله: كلمات مؤثرات: “لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا”، هذا ما قاله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لصحبه الكرام في مثل هذه الأيام، حينما هبَّت رياح الحجّ وأيامه المباركات، حينما حجّ النبي -صلى الله عليه وسلم- حجته الأولى والأخيرة، والتي سميت بحجة الوداع، وكانت في السنة العاشرة من الهجرة، السنة الثالثة والعشرين من البعثة، السنة الأخيرة من عمر خير الخلق -صلى الله عليه وسلم-.

“لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا”، كلمات مؤثرات، أصبحت علَمًا على حجة الوداع، تلك الحجّة التي ودّع فيها النبي -صلى الله عليه وسلم- المسلمين والمسلمات والصالحين والصالحات من أمته آنذاك.

“لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا”، كلمات محزنات، تلين لها القلوب، وتدمع لها العيون، قيلت من صاحب القلب الرحيم -صلى الله عليه وسلم-، خاطب بها أصحابه، وما أدراك مَنْ أصحابه؟! أولئك الذين تعلقت قلوبهم برسول الله، أولئك الذين امتلأت نفوسهم ومشاعرهم بمحبة رسول الله، ولا أدري ما حالهم حينما سمعوها من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا”، وهم الذين صحبوه قرابة ربع قرن من الزمان، ولذلك لمّا بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- معاذًا إلى اليمن في السنة العاشرة للهجرة، قال له فيما قال: “يا معاذ: إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمر بمسجدي وقبري”، فبكى معاذ خشعًا لفراق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

“لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا”..

أيها المؤمنون: أذّن النبي -صلى الله عليه وسلم- في الناس بالحجّ، فجاء الناس من كل فجّ وصوب، من القرى والبوادي، من السهل والجبل، والوديان والصحاري، مشاةً وركبانا، تحدوهم الرغبة الصادقة في حجّ بيت الله الحرام، مهوى القلوب مثابة الناس.

وخروج النبي -صلى الله عليه وسلم- بالناس كان يوم السبت الخامس والعشرين من ذي القعدة بعد أن صلى الظهر بالمدينة وقد اجتمع حوله أكثر من مائة ألف حاجّ؛ قال جابر -رضي الله عنه- يصف لنا المشهد المهيب: “فصلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المسجد، ثم ركب القصواء، حتى إذا استوت به ناقته على البيداء، نظرتُ إلى مدّ بصري بين يديه ملء راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين أظهرها”.

هذا المشهد العظيم الذي يصوره لنا جابر -رضي الله عنه- يشهد لنا بقول الله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ) [الأنفال: 62]، يوم أن كان -صلى الله عليه وسلم- يطوف على القبائل قائلاً لهم: “من يؤويني حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة؟!”. فلا يجد ملبيًا لدعوته ولا نصيرًا حوله، ولكنهم اليوم يأتونه من كل فجّ وصوب، يوم أن هاجر فلم يكن يمشي أمامه إلا الصدّيق، ولا خلفه إلا الصديق، ولا عن يمينه إلا الصديق، ولا عن يساره إلا الصديق، أما اليوم فمد بصره من الرجال يحيطون به: (وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) [الروم: 47]، ويحوطونه، ويحتفون بركابه.

“لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا”..

أيها المؤمنون: في حجة الوداع عظّم النبي -صلى الله عليه وسلم- شعيرة التلبية، وأجلّ هذا النسك، فدخل فيه مدخلاً كريمًا، فأعلن في مبتدئه منارة التوحيد، وأعلى من شأن الوحدانية والربوبية والصمدية لله الواحد الأحد -جلّ في علاه-، فما أن أحرم -صلى الله عليه وسلم- حتى صدع بالتلبية قائلاً: “لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إنّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك”.

فلبّى بها النبي -صلى الله عليه وسلم- ورفع صوته بهذه التلبية حتى سمعها أصحابه، فأخذوا يلبّون، ولكن الله أراد منهم أمرًا حينما سمعهم يلبون، فأرسل الله جبريل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال له: يا رسول الله: إن الله يقول لك: أنْ تأمر أصحابك فيرفعوا أصواتهم بالتلبية، فرفعوا أصواتهم بالتلبية، موحّدة مدوية في الصحراء، في الآفاق وعلى التلال وفي الوديان، يلبون في أرض الله، بنداء الفطرة والتوحيد لله مالك الملك، في صحراء العرب، بعد أن انطفأ فيها ذكر الله دهورًا، وغاب نداء الله منها سنين، وملأها العرب الأجلاف هرجًا ومرجًا، وشركًا وصخبًا، فجاء نداء محمد -صلى الله عليه وسلم- وصحبه ليرفع ذكر الله، وتوحيد الله: “لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك”، لينطفئ بذلك صخب قريش وشركها حينما كانت تلبي، وحينما كانت تدعو، وما دعت، فكانت تقول الشرك الصراح وتجاهر به في تلبيتهم بقولهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك. يقولون لك الشرك كذبًا على إبراهيم -عليه السلام-: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً) [الحج: 26]، ولكنهم قوم يشركون، ومحمد -صلى الله عليه وسلم- وصحبه قوم يوحِّدون.

أيها المؤمنون: ولذلك في حجة الوداع، أعلن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن نسكه وشرعته مخالفة كلّ المخالفة لنسك المشركين، وشرعة الكافرين؛ فقد حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- كل الحرص أن يخالف المشركين في شعائر الحج، وأن يتميز عنهم وأن يتباعد عن طريقتهم، فقد كانت قريش لا تقف بعرفة، بل تفيض من المشعر الحرام، فخالفهم النبي -صلى الله عليه وسلم- ووقف بعرفة وأفاض منها، وكان المشركون لا يفيضون من مزدلفة حتى تطلع الشمس، وكانوا يقولون: أَشْرِقْ ثَبِيرُ كَيْمَا نُغِيرُ. فخالفهم النبي -صلى الله عليه وسلم- وأفاض قبل أن تطلع الشمس، واستمعوا إلى ما قال، قال -صلى الله عليه وسلم-: “خالف هدينا هدي المشركين”، يريد لأمته أن تكون متميزة بهديها كلّه، فلا تقلد الشرق ولا تتبع الغرب، ولا تخلط شعائرها بشعائرهم، ولا تقدم هديهم على هديها، فإن فعلت ذلك فقد لحق بها وعيد النبي -صلى الله عليه وسلم-: “من تشبه بقوم فهو منهم”.

“لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا”.

أيها المؤمنون: في حجة الوداع، استذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- إخوته من أنبياء الله السابقين، الذين حجوا قبله إلى بيت الله الحرام، فلمّا مرّ في حجة الوداع في طريقه إلى مكة بوادي عسفان، قال: “يا أبا بكر: أيّ واد هذا؟!”، قال: وادي عسفان. قال: “لَقَدْ مَرَّ بِهِ هُودٌ وَصَالِحٌ، عَلَى بَكَرَاتٍ حُمْرٍ، خُطُمُهَا اللِّيفُ، أُزُرُهُمْ الْعَبَاءُ، وَأَرْدِيَتُهُمْ النِّمَارُ، يُلَبُّونَ يَحُجُّونَ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ”.

وحج البيتَ موسى بنُ عمران، ويونسُ بنُ متى -عليهما السلام-، وسيحجه آخر الزمان عيسى -عليه السلام-: “والذي نفسي بيده، ليهلنّ ابن مريم بفج الروحاء حاجًّا أو معتمرًا أو ليثنيهما”.

ليذكِّر بذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- هذه الأمة حينما تحج إلى بيت الله الحرام، بركب النبوة الكريم، الذي تنتمي إليه، وتمتد جذورها لتتصل به، فلسنا أمة نشازًا بين الأمم، ولا بدعًا بين الأقوام، ليذكِّر هذه الأمة أنها -في حجها لبيت الله الحرام- على صراط الأنبياء والرسل المصطفين، أنها على صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء، أنها على آثار أنبياء الله تقتدي وتسير: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ) [الأنعام: 90]، ليذكِّرها أنها هي الأمة الأخيرة الباقية التي تهتدي بهدى أنبياء الله، ألا ترى أن الصلاة خلف المقام تذكرك بإبراهيم -عليه السلام-؟!.

“لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا”.

أيها المؤمنون: في حجة الوداع، كما رأى الناس النبي -صلى الله عليه وسلم- القائد، الداعية، المرشد، رأى الناس النبي -صلى الله عليه وسلم- العابد الخاشع، رأى الناس النبي -صلى الله عليه وسلم- الذاكر الداعي الملتجئ المتضرع، المكثر من الدعاء، الملح على الله تعالى في دعائه، ليصدق فيه قول ربه عن أنبيائه: (وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) [الأنبياء: 90]، فقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- راغبًا إلى الله، راهبًا من الله، خاشعًا لله، باكيًا بين يدي الله، إجلالاً وتعظيمًا لشأنه وهو خارج بيته المعظم، فكيف به الآن وقد وقف حاجًّا لربه في أعظم مكان له في هذه الدنيا، فلِمَ الناس لا يرون أمامهم النبي العابد الخاشع، وهو الذي كان يمر في ظلام الليل فيتفقد أصحابه -كما يروى ذلك ابن أبي حاتم-، كيف كانوا يصلون، كيف كانوا يدعون، كيف كانوا يبكون، فسمع عجوزًا تقرأ من وراء الباب وتبكي، نعم، عجوز مسنة، تقرأ قوله تعالى: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ) [الغاشية: 1] وتبكي، وتعيد الآية وتبكي، فوضع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأسه على الباب وبكى وردد الآية، ثم قال: “نعم أتاني، نعم أتاني”، أي: حديث الغاشية.

كيف لا يرى الناسُ النبيَّ المتضرع الداعي ربَّه، وهو الذي كان يدعو ربه تارة حتى تبلّ الثرى دموعه، وتارة حتى تتلقف الأرض رداءه يسقط عن كتفيه، ولذلك أكثر الدعاء والتضرع إلى الله في حجة الوداع؛ يقول ابن القيم: “لقد تضمنت حجته -صلى الله عليه وسلم- ست وقفات (عظيمات) للدعاء: فقد دعا النبي -صلى الله عليه وسلم- ربه وتضرع إليه وأثنى عليه على الصفا، وعلى المروة، وبعرفة وبمزدلفة، وعند الجمرة الأولى، وعند الجمرة الثانية”. وكان من دعائه: “ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار”.

دعا ربّه، وأثنى عليه، بعد أن كان الناس في أرض الحرم يدعون هُبلاً واللات والعزى، يدعون غير الله ويشركون به.

“لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا”.

أيها المؤمنون: في حجة الوداع، يقف النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك الموقف المشهود، يقف على صعيد عرفة وما أدراك ما عرفة؟! عرفة التي أتاها جبريل -عليه السلام- آخذًا بيد أبينا إبراهيم -عليه السلام- يعلمه نسك الحجّ، فقال له لما أتاها: “هذه عرفة، أعرفت”، فلذلك سميت عرفة.

يوم عرفة، يوم أقسم الله به، ولا يقسم الله إلا بعظيم، فهو اليوم المشهود في قوله تعالى: (وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ) [البروج: 3]، ففي الحديث الحسن الذي يرويه الترمذي عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “اليوم الموعود: يوم القيامة، واليوم المشهود: يوم عرفة، والشاهد: يوم الجمعة”.

عرفة، يوم أكرم الله فيه من يعرفه أيّما إكرام؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “إن الله يباهي ملائكته عشية عرفة بأهل عرفة، فيقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثًا غبرًا”. وأكرم الله فيه المسلمين خارج عرفة، حينما كتب لهم الأجر العظيم على صيامه، فقال -صلى الله عليه وسلم-: “صيام يوم عرفة يكفر سنتين ماضية ومستقبلة”.

وأكرم الله مَنْ بعرفة ومَنْ خارج عرفة، فقال -صلى الله عليه وسلم-: “ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة”.

في هذا اليوم، يوم عرفة، أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- عرفة، فوجد القبّة قد ضربت له بنمرة، ثم أتى بطن الوادي، ووقف، وقد اجتمع حوله مائة وأربعة وعشرون ألفًا من الصحابة المؤمنين الموحدين الحاجين -العابدين- الذاكرين اجتمعوا في صعيد عرفة، بعد أن غابت شمس المؤمنين الموحِّدين عنه قرونًا عديدة، بعد أن جفَّ المكان، وتوحشت الجبال والسهول والوديان بعد أن تعطلت عرفات، فلا تلبية تسمع، ولا دعاء يطلب، ولا ربا يذكر، ولا إله يوحد، مائة وأربعة وعشرون ألف صحابي حول نبي الرحمة في صعيد عرفات على جبل الرحمة، بعد أن لم يكن يرتاده أحد لا مشرك ولا كتابي يذكر.

“لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا”.

أيها المؤمنون: في حجة الوداع، قام النبي -صلى الله عليه وسلم- في عرفات وفي منى، قام خطيبًا بالناس، مبلغًا لدين الله، مبلغًا عن ربه، معلمًا لأمته، ناصحًا لأتباعه، في حجة الوداع خطب النبي -صلى الله عليه وسلم- خطبته الخالدة، خطبته الكونية العالمية الشهيرة، خاطب فيها أمته إلى يوم الدين، بكلام حق ووحي، بكلام جامع مانع، لا يعقب عليه ولا يستدرك، فكان مما قاله لهم ولنا ولمن سيأتي بعدنا: “أيها الناس: إنه لا نبي بعدي، ولا أمة بعدكم، ألا فاعبدوا ربكم”. إنها العقيدة والعبودية. “أيها الناس: إن دماءكم وأموالكم بينكم حرام، فلا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض، وإن ربا الجاهلية موضوع، وقضى الله أنه لا ربا، واستوصوا بالنساء خيرًا، إن لنسائكم عليكم حقًّا، ولكم عليهن حق، إن ربكم واحد، وإن لهكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم”.

إنها كلمات نبي الله، الحقة الصادقة، إنها كلمات رحمة العالمين العادلة الصالحة، لا كلمات جبابرة الأرض المزينة الفاسدة المغتصبة، كلمات خالدة، في خطبة كونية جامعة، أظهر فيها النبي -صلى الله عليه وسلم- قضايا العقيدة والوحدة والدماء والأموال والنساء والإنسانية، هي القضايا التي يحدّثك تاريخ البشرية ويشهد لك واقعها المعاصر، أن جبابرة الأرض ومفسديها كانوا على الدوام يخلخلونها، فيسعون لإفساد عقائد الأنبياء الحقة؛ ليسهل اختراق الإنسان بعدها، ويكثرون القتل وسفك الدماء، ويجبرون النساء؛ ليصلوا إلى المال وإلى منابع الثروات، ويشرعون الربا لتكثير المدخرات، ولكن النتيجة سحق الأمم والمجتمعات، فإذا به الخراب الأخلاقي والأسري، والدمار النفسي والصحي، والأزمات المالية والاقتصادية، ولذلك دعا نبينا -صلى الله عليه وسلم- في خطبته الكونية أمته إلى المحافظة على ثوابت العقيدة والوحدة، وإلى حفظ دماء بعضها وأموالها، ونزع الربا من تجارتها، وإلى المحافظة على المرأة، وإلى (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات: 13].

الخطبة الثانية:

“لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا”.

أيها المؤمنون: ثمّ ختم النبي -صلى الله عليه وسلم- خطبته بموقف، وبكلام مؤثر، فقال للمسلمين حوله: “وأنتم تُسألون عني، فماذا أنتم قائلون؟!”. الله أكبر، وصدق الله إذ يقول: (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ) [الأعراف: 6]، فأجابه المسلمون من الصحابة الكرام: نشهد أنك قد بلغت الرسالة، وأدّيت ونصحت. فقال بأصبعه يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: “اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد”.

ووقف النبي -صلى الله عليه وسلم- على صعيد عرفة على راحلته من بعد العصر إلى الغروب، يدعو ربه ويناجيه ويعظمه ويتضرع إليه، ولم ينس نبي الرحمة أمته من الدعاء، فكما روى الإمام أحمد في مسنده أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دعا عشية عرفة لأمته بالمغفرة والرحمة، فأكثر الدعاء، فأجابه الله أن قد فعلت وغفرت لأمتك، إلا من ظلم بعضهم بعضًا، عندها أهوى إبليس يدعو بالثبور ويحثو على رأسه التراب.

ونزلت على النبي -صلى الله عليه وسلم- سورة النصر في أوسط أيام التشريق، فعرف أنه الوداع، وأنه نعيت إليه نفسه، ودّع مكة والبيت الحرام وطاف طواف الوداع، وقفل عائدًا إلى طيبة، ولم يلبث إلا يسيرًا حتى توفاه الله، فكان كما قال: “لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا”. وفعلاً لم يلقَ صحابته ومحبيه بعد عامهم ذاك. فصلوات ربي وسلامه على أطيب نفس، وأرق وأطهر روح، سيد الأنام نبينا وحبيبنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

“لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا”.

اللهم تقبلنا، واقبل أعمالنا، وارض عنا يا أرحم الراحمين.

الملفات المرفقة
لا ألقاكم بعد عامي هذا.. الوداع التاريخي
عدد التحميل 1827
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عدنان مصطفى خطاطبة
مواد الكاتب
مواد في نفس المحور
التعليقات