اهلا وسهلا بكم في موقع الخطباء هذا الموقع قيد التطوير الرجاء الانتقال الى موقعنا بالضغط على هذه الرسالة

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

12998

منظومة التكافل والأمان

التصنيف الرئيسي : المواسم البدعية
التصنيف الفرعي : الجمعة
تاريخ الخطبة : 1438/05/16
تاريخ النشر : 1438/4/11
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/ كمال الإسلام وشموليته 2/ عظمة الإسلام في فريضة الزكاة 3/ دور الزكاة في تحقيق التكافل والأمان بين المسلمين 4/ حث الإسلام على الوقف ودور الأوقاف الإسلامية في تحقيق التكافل بين المسلمين عبر التاريخ 5/ تشريعات أخرى حث الإسلام عليها من أجل تحقيق التكافل والأمان بين المسلمين 6/ حث المسلمين على المساهمة في رفع المعاناة عن إخوانهم
اقتباس

حديثنا هنا عن جانب عظيم من جوانب الإسلام يوفر منظومة كاملة من الأمن والأماني، النفسي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي، من خلال الفرائض والتشريعات والأركان الإسلامية. ونحن اليوم نركز على الجانب الاقتصادي لننظر من خلاله ومن خلال عظمة تشريع الإسلام إلى…

 

الخطبة الأولى:

 

إخوة الإسلام والإيمان: وصية الله -سبحانه وتعالى- لكم في كتابه القرآن: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) [آل عمران: 102].

 

معاشر المؤمنين: أكمل الله الدين، فقال جل وعلا: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً) [المائدة: 3]، وهذا الكمال يشمل جميع جوانب الحياة الدنيا، كما أنه يمتد ليؤسس لمنهج سعادة ونجاة الحياة الأخرى، وهذا الكمال يستوعب حياة الفرد في عقله وروحه وجسده، كما يشمل المجتمع في أسره وجيرته وعلاقاته، وينتظم الأمة حكاماً ومحكومين شرعاً ونظاماً، وذلك كله في منظومة فريدة ليس لها مثيل إلا في دين الله -سبحانه وتعالى-: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ) [آل عمران: 19].

 

والله -سبحانه وتعالى- أوضح لنا الغاية المجملة في هذا الجانب، فقال جل وعلا: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) أي في هذه الحياة الدنيا (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) [النحل: 97] أي في الآخرة.

 

وقال المفسرون في هذه الحياة الطيبة: إن محورها القناعة، وأساسها الرزق الحلال، ونهايتها وغايتها السعادة التي تطمئن بها القلوب، وتسعد بها النفوس.

 

وهنا ندرك تماماً أن طبيعة الحياة جعلها الله ابتلاءً: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) [الملك: 2]، وأن فيها فقراً وجهلا ومرضاً وكوارث، وأن فيها من الخلق من يكون ذا عاهة، أعمى لا يبصر، أو أصما لا يسمع، أو هكذا وهكذا، وأن موارد هذه الحياة الدنيا قد قسمها الله -عز وجل-، وجعل بين الناس تفاوتاً.

 

وحديثنا هنا عن جانب عظيم من جوانب الإسلام يوفر منظومة كاملة من الأمن والأماني، النفسي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي، من خلال الفرائض والتشريعات والأركان الإسلامية.

 

ونحن اليوم نركز على الجانب الاقتصادي، لننظر من خلاله ومن خلال عظمة تشريع الإسلام إلى الجوانب كلها، الله -سبحانه وتعالى- افترض من بين الفرائض الأساسية في أركان الإسلام: فريضة الزكاة، وكلنا يعلم كم هي الآيات كثيرة: (وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ) [البقرة: 43]، والله -سبحانه وتعالى- عين ذلك، فقال: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [التوبة:60].

 

والنبي -صلى الله عليه وسلم- قال في حديثه العظيم ووصيته الجليلة لمعاذ بن جبل: لما أرسله إلى أهل اليمن: “إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ”.

 

وفي حديث أبي جحيفة عند الترمذي وغيره قال: “جاءنا مصدق النبي -صلى الله عليه وسلم- أي الذي يجمع الصدقات- فأخذ الصدقة من أغنيائنا فجعلها في فقرائنا”.

 

وهذا هو المدخل الأول لصور التكافل والأمان الاقتصادي.

 

الزكاة ليست فضلاً من معطيها إنما هي واجب عليه.

 

والجميل العجيب الفريد في هذا الدين: أنه جعل في المال عبادةً، كما أنك تتوضأ وتتوجه للقبلة، وتستحضر النية، ويكون في قلبك هيبة من الوقوف بين يدي الله -عز وجل-، وخشوع في السجود له، فكذلك بذات القدر أنت تؤدي فريضة الزكاة، وكأنك تماماً كالصلاة فرض بفرض، واقترن -كما قلت كثيراً- بأنك تتوجه إلى الله، وتبتغي وجه الله، وتخشع بقلبك، وتشعر بالسعادة والطمأنينة التي تشعر بها في صلاتك، فمن عظمة هذا الدين: أنه جعلها واجباً فرضاً، وجعلها لأصحابها حقاً لا منة لأحد فيها، قال سبحانه وتعالى: (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) [المعارج: 24 – 25]، هو حق ليس لك فيه فضل، بل أنت متقرب به إلى الله -سبحانه وتعالى-، أنت تسعى إلى أن توصله إلى مستحقيه كما أمر الله -سبحانه وتعالى-؛ لأن هذا هو واجبك، الله –عز وجل- جعل هذا المال دين وعبادة، فرض من فرائض الإسلام، أضف إلى ذلك أن الله تكفل بتعيينه، هو الذي حدد الأصناف، وجاء التشريع بتحديدها في كل الأنواع، من الزروع والثمار والبهائم والسوائم والذهب والفضة، وعيّن مقاديرها؛ لأنها فريضة من الله كما عين الفجر ركعتين، والمغرب ثلاثاً، عين ذلك في الزكاة، ليدل على أهميتها وعظمتها، وأنها أمر من الله -سبحانه وتعالى-، ثم انظر كذلك إلى المعنى العظيم فيها، وهو الأثر الأمني النفسي الاجتماعي: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بها) [التوبة: 103]، فهي طهرة للمال، وطهرة لقلوب جميع المسلمين، تطهر قلوب الأغنياء من أمراض الحرص والبخل، وتطهر قلوب الآخذين أو الفقراء من الطمع والحسد، وتؤلف بين القلوب، وتصنع من خلال التعبد من الجميع لحمة قلبية فيها المشاعر والتكافل والألفة والتقارب، وذلك ليس إلا لما كان فيه أمر وعبادة وقربة لله -سبحانه وتعالى-، وإذا نظرنا من ناحية أخرى، فإن فرض الزكاة هو أحد أعظم أسباب تنمية المال ورفع الاقتصاد؛ لأن الذي عنده مال ولا ينميه سوف تقتطع الزكاة منه؛ كما ورد في بعض أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- في تنمية أموال اليتيم، قال: “ابْتَغُوا بِأَمْوَالِ الْيَتَامَى لاَ تَأْكُلُهَا الصَّدَقَةُ”، فكل حينئذ ينمي ماله حتى لا ينقص بهذه الزكاة، والنسبة كما يدرسها الاقتصاديون، يقولون إنها نسبة لا تؤثر على دورة المال والنمو الاقتصادي فتعيقه كما تكون الضرائب مرتفعة أحياناً، وهي في الوقت نفسه تعطي قدراً عظيماً، تخيلوا معي وفكروا معي هذه النسبة اثنان ونصف بالمائة، إذا أخرجها كل مسلم على الوجه المشروع أتظنون أن مجتمع المسلمين لا يكتفي فيه الجميع بحد الكفاية الذي سأشير إليه، وهذا الذي كان له نماذج في عهد الصحابة -رضوان الله عليهم-؛ ففي عهد الفاروق عمر -رضي الله عنه- كان يؤمر أو يعطى كل مولود في الإسلام يفرض له من بيت مال المسلمين، أي الغذاء اللازم، ونعلم قصة وتاريخ عمر بن عبد العزيز الذي فاض المال في زمنه حتى دفعوا من الزكاة للأعمى الذي يحتاج إلى قائد وفاض المال حتى لم يجدوا من يأخذه، ليس هذا خيالاً هذا هو تشريع الله -عز وجل-، أين نحن منه؟ القصور الواقع والخلل الحاصل هو بقدر تفريطنا، سواءً من حيث الاعتقاد.

 

وكنت أقول دائماً: إن عظمة التشريع لا منتهى لها، فهذه النسبة كما هي اثنان ونصف بالمائة، لو كان في جيبك أو في ملكك عشرة آلاف، فالمطلوب أن تخرج مائتان وخمسون فقط، وستقول: إنها سهلة ميسورة، لكن لو كان هذا المال الذي عند هذا الإنسان قد بلغ ألف مليون، فالمطلوب أن يخرج خمسة وعشرين مليوناً، حينئذ سيقول هذا مبلغ كبير، وينسى ما بقي له، فالنسبة واحدة، ولذا نقول: إن هذا التشريع المحكم يكفل تنمية الاقتصاد، ويكفل سد الحاجات الأساسية لعموم المجتمع، ويضيف إلى ذلك البعد الأمني النفسي الاجتماعي، فلا تكون هناك أحقاد ولا تكون هناك طبقيات، ولا يكون هناك حسد وبغض، كما قد يكون في كثير من الأحوال التي نراها.

 

ونرى ذلك أيضاً في التنوع الشامل الذي تشمله هذه الزكاة، وهي حلقة واحدة، نعم هي أساسية لكونها فرضاً، لكنها ليست وحدها، عندنا جوانب أخرى أيضاً تشيع في تشريع الإسلام هذه الكفاية الاقتصادية، وتعين على اللحمة الاجتماعية، فالنفقة الواجبة، وهي باب من أبواب الاقتصاد وأبواب تحريك المال، حتى اللقمة يضعها الرجل في فم زوجته يكتب له بها أجرا، مسئول أن ينفق على أبنائه، وإذا كان أصوله الأعلون من أب وأم ليس لهم دخل أو ليس لهم مال فهو ينفق عليهم، وبالتالي هناك مسئولية اجتماعية قريبة تسد الفقر والحاجة على المستوى الأسري، ولذلك قال الله -عز وجل- في خصوص ذلك: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ) [الإسراء: 26].

 

وأيضاً حقٌ واجب، ليس منة من الزوج أن يعطي زوجته فيقول: ها أنذا أعطيكِي، هذا واجبٌ عليه، فرض من الله عليه، وبالتالي هنا تحصل الكفاية ويحصل معها ما قلته وأكرره من التكامل في منظومة الأمن والتكافل نفسياً واجتماعياً واقتصادياً، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قال كما في الصحيح: “مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ”، والوصل هنا عام، نعم معنوي، وأيضاً الوصل المادي يدخل فيه، بل إن النبي -صلى الله عليه وسلم-، كما روى الإمام أحمد في مسنده والترمذي والنسائي في سننهما قال عليه الصلاة والسلام: “الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَعَلَى ذِي الْقَرَابَةِ اثْنَتَانِ: صَدَقَةٌ, وَصِلَةٌ” أي أن فيها أجراً إضافياً، ثم هذا هو رسولنا -صلى الله عليه وسلم- تتسع الدوائر، ويبين لنا أن المسئولية المجتمعية أوسع من هذا، فهي تشمل أولئك وتشمل الدائرة الكاملة التي يعيش فيها المسلم في مجتمعه، فها هو عليه الصلاة والسلام يقول: “مَا آمَنَ بِي مَنْ بَاتَ شَبْعَانًا وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ بِهِ” [رواه البزار والطبراني بسند حسن].

 

المسئولية الاجتماعية لو أننا نلتزم التشريعات، والفضائل والقربات، ستكون كلها مكفولة؛ لأن هذا واجب النفقة وعندنا باب واسع آخر وهو باب الصدقة، باب صدقة التطوع، الله -جل وعلا- جعل فيها أموراً كثيراً، أولاً: جعل لها موقعاً عند الله -سبحانه وتعالى- يشعر صاحبها بأن لها من الفضل والأجر والبركة ما يدفعه إلى الاستكثار منها، وليس الخوف من نقص المال بسببها، فها هو النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: “وَلاَ يَقْبَلُ اللَّهُ إِلاَّ الطِّيبَ كَأَنَّهَا، إِنَّمَا يَضَعُهَا فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ فَيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ”، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: “مَا نَقَصَ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ”.

 

وتأملوا كيف كان تأثير هذا على نفوس المؤمنين من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، اختصموا ودار بينهم حوار ورجعوا إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الأمر، ما المشكلة؟ في حديث أبي ذر جاء الفقراء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يقولون: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم؟ انظروا كيف كان المجتمع، عندما تكون التربية الإيمانية على الوجه الصحيح، تلك هي الهموم، وتلك هي الأفكار، وتلك هي المشكلات، ليست المشكلة هي أنني أريد أن أجني مزيداً من المال وأدخره، إنني أريد أن أرى كيف يمكن أن أسلك وأسجل في ضمن المنفقين، فقال لهم عليه الصلاة والسلام: “أَوَ لَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ، إِنَّ كُلَّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلَّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلَّ تَهْلَيْلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلَّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْىٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَفِى بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، وحملك للرجل الضعيف متاعه على دابته صدقة، ونظرك للرجل الرديء البصر صدقة، حتى قال: كفك أذاك عن الناس صدقة منك على نفسك”، في بعض الروايات: أن بعض الصحابة جاءوا قالوا: يا رسول الله سمع إخواننا بما قلت، وهم ليسوا مستغنين عن الأجر ففعلوا مثل ما فعلنا؟ فقال: “ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ”، والنبي -صلى الله عليه وسلم- أخبرنا أن “كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ”، وأخبرنا أن من الأصناف السبعة الذين يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله: “وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ” هذا التصوير جعل المجتمع المسلم يهب لذلك، حتى إنه صح في الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن بعض الصحابة كانوا لا يجدون ما يتصدقون به، وهم معذورون شرعاً، ما ذا كانوا يفعلون؟ قالوا: فكان أحدنا يتحمل الحمالة يعني يعمل وقتاً إضافياً، ويحمل للناس، لا يريد بها التوسعة، ما يريد أن يكون عنده مزيد من المال، قال: لا يريد بها إلا أن يجد ما ينفق في سبيل الله، هذه الصورة تمثل نموذجاً حقيقياً للكفاية الاقتصادية والتكافل التنموي، فضلاً عن العلاقة الأخوية والمحبة التي تربط بين الناس كما هو معلوم، قال ابن حزم -رحمه الله- في توصيف الحد الأدنى الذي يجب توفيره للمجتمع المسلم ولآحاد المسلمين، قال: “فرض على الأغنياء في كل بلدة أن يقوموا بفقرائهم ويجبرهم السلطان على ذلك إن لم تقم الزكوات، ولا في سائر المسلمين بهم، يعني إذا لم تكف الزكاة وليس عند المسلمين ذلك، فيقام لهم بما يلزمهم من القوت الذي لا بد لهم منه، ومن ملبس للصيف وللشتاء، ومثل ذلك من مسكن يكفيهم من الشمس والوطر وعيون المارة، وهذا الذي يسمى اليوم في المصطلح الاقتصادي حد الكفاف، أو ما يسمى بمستوى حد الفقر، التأمين الأساسي للحاجيات فرض على الأمة حتى إن لم تف الزكاة وغيرها يكون ذلك إلزاماً.

 

ولكننا نقول: إن الزكاة ومعها صلة الرحم، ومعها الصدقة، ومعها الباب العظيم الكبير الذي كان ولا يزال له في حياة أمتنا تاريخاً ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، أعظم الأثر في هذه الكفاية الاقتصادية والرابطة المجتمعية وهو الوقف، الوقف الذي شرع منذ عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، والذي يعد من أعظم الوسائل التنموية الاقتصادية الاجتماعية البديعة الرائعة؛ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بعد خيبر أصاب أرضاً بخيبر، فجاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال: يا رسول الله أصبت في خيبر أرضاً لم أصب أنفس منها عندي، هذه أحسن وأغلى ما عندي، فما تأمرني بها يا رسول الله، فكيف تأمرني؟ قال: “إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا” يعني احفظ الأصل، واجعل الريع هو الذي ينفق، أو ينفق منه، ففعل عمر بن الخطاب، فقال: فيما أوصى به أن هذه الأرض لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث، ويجعل ريعها في الفقراء والقربى وفي الرقاب وفي سبيل الله والضيف وابن السبيل، لا جناح على من عمل وليها أن يأكل منها بالمعروف، وكان الصحابة كما أثر عنهم قلّ منهم ذو مال إلا وجعل وقفاً، هذا الوقف يمكن أن يكون للذرية والأقارب، فيمتد الإحسان جيلاً بعد جيل يستمر إلى مدى طويل، ويكفل الحاجات للأقارب والأصهار والأرحام، وكذلك يكون في المنافع العامة كلها، فذاك يوقف على التعليم، وهذا يوقف على الصحة، والآخر يوقف على تأمين المياه من الآبار، وهذا يوقف هنا، وهذا يوقف هنا، حتى إن تاريخنا جاء فيه ما هو أعظم وأعظم وأعظم من كل ما يتشدق به المتشدقون اليوم من حقوق الإنسان، لقد وجدت أوقاف تنفق على الكلاب الضالة، ووجدت أوقاف تنفق على الأواني إذا كسرت كيف ترمم، وجدت أوقاف تنفق على مصارف فريدة عجيبة للمرضى الذين لا عائد لهم، ولا قريب يزورهم، هناك أوقاف تجعل من يزورهم ويدفع له المال حتى يدخل عليهم السرور، ويكونوا سبباً في علاجهم.

 

ومن قرأ في تاريخنا وجد الأوقاف كانت تسير كل مسيرة التعليم الشرعي والطبي والصيدلي والفلكي، كلها فيها أوقاف من المدارس كثيرة جداً.

 

ووجد كذلك أن مصارف الوقف تشمل منافع الحياة العامة من الطرقات والمياه وغيرها، وتشمل كذلك أصناف الناس من الأيتام أو الأرامل، أو غير ذلك، فكأننا في منظومة مكتملة، ليس فيها شيء إذا أخذ به المسلمون إلا ويحقق لهم قوة اقتصادية متينة، وحاجات كافية، ومجتمعاً متلاحماً يصوره ذلك التصوير الفريد العجيب الذي جاء به سيد الخلق -صلى الله عليه وسلم- حينما قال: “الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا” بينهم ألفة، بينهم إيمان، وبينهم مصالح ومودة، تنعكس أيضاً في صورة مادية كما تنعكس بالصورة المعنوية “مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى”.

 

وهناك الوصايا، وهناك الهبات، وهناك الكفارات، وهناك أبواب عظيمة، كما أن في الصلوات صلوات من النوافل كثيرة، فكذلك في شأن المال صدقات، ونوافل عديدة، كلها يجمعها أن المال إنما هو عرض زائل، وأن المال في حقيقته كما قال الله -جل وعلا- مال الله: (وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ) [النور: 33].

 

فنسأل الله -سبحانه وتعالى- كما يجعلنا على عناية واهتمام بأركان الإسلام في صلاة وحج أن يجعلنا في غاية العناية بهذه العبادات المالية.

 

أسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يوفقنا ويرحمنا، وأن يجزل مثوبتنا، ويوسع أرزاقنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.

 

 

الخطبة الثانية:

 

معاشر المسلمين المؤمنين: تأملوا فيما أمر الله -سبحانه وتعالى- به من الفرائض، وما حث الله -عز وجل- عليه ورسوله -صلى الله عليه وسلم- من النوافل، وأعني بذلك في باب الجانب الاقتصادي مالاً وعطاءً بكل صوره، فإننا واجدون أننا في أعظم نعمة وأكمل تشريع يعود علينا بكل ما نحتاج إليه، وانظروا اليوم إلى واقع مجتمعات أمتنا، فإن الخلل الحاصل فيها إنما هو تقصير وتفريط من عموم الأمة، بمجموع أفرادها، وبأعيان آحادها، في مثل هذا الذي شرعه الله لنا، افترضه علينا، أو ندبنا إليه، وتسابق إليه وبينه لنا رسولنا الأعظم -صلى الله عليه وسلم-.

 

وهنا عندما ننظر اليوم إلى واقعنا، في مجتمعاتنا المحدودة وفي عالمنا الإسلامي، نرى كيف تجري الأقدار بحكمة الله -سبحانه وتعالى- وله المثلى الأعلى، وله الحكمة البالغة، وهناك كوارث تحل بإخواننا المسلمين في بلاد الشام في العراق في اليمن في كذا..، لو أننا تصورنا أن تحقيق هذه الفرائض والنوافل ميسور، قائم به كل مسلم على الوجه المطلوب، مفتوحة أبوابه، لرأينا أن كل ما يجري له في شرع الله -عز وجل- ما يعالجه، وما يصلحه، وما يكفيه، ولا تكون هذه الصور المؤلمة التي يكون فيها أهل الإسلام محتاجون، ولا يجدون من إخوانهم من يسد حاجتهم، وأعظم من ذلك وأقسى ألماً: أن يكونوا محتاجين، وأن يتقدم إليهم أو إلى سد حاجتهم غير المسلمين، والمسلمون لا يبادرون، ولذا أقول: إن هذه الأبواب التي تفتح لابد لنا أن نستبق إليها، ولابد لنا أن نسهم فيها، نحن بكل ما يمكن أن يقال في نعمة عظيمة وخير كبير، وكما أشرنا إلى حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: “مَا آمَنَ بِي مَنْ بَاتَ شَبْعَانًا، وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ بِهِ”، وحتى نعلم أيضاً حديث النبي -عليه الصلاة والسلام- الذي بين فيه أنه لاحق فيما فضل من مال أو زاد، أو نحو ذلك، قال: “من كان له فضل مال فليعد به على من لا مال له، من كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له”، حتى قال الراوي: “حتى ظننا أن لا حق لأحدنا على ما زاد، أو ما فاض”.

 

وهذا الباب مفتوح بفضل الله -عز وجل- للإسهام لإخواننا في بلاد الشام، وفي بلاد اليمن، وفي غيرها، نحث أنفسنا ونستبق إلى هذا الفضل، ونجعل له حظاً دائماً، وأشير إلى هذا الحظ الدائم بحديث النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي لو تفكرنا فيه لأردنا أو لقصدنا أن نصيب منه كل يوم شيئاً، يقول عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح: “مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلاَّ مَلَكَانِ يَنْزِلاَنِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا”، أيعجزك أن تتصدق في ذلك اليوم بريال أو حتى بقرش، فتدخل ضمن هذه الدائرة، ضع في جيبك بعدد أيام الشهر ثلاثين ريالاً أو عشرةً أو غيرها، واجعل كل يوم صدقة، فإن هذا فيه كثير وكثير وكثير من الأجر، فضلاً عما يكون له من أثر في البركة، وفيما يأمله الإنسان من صحة وعافية، وبر أبناء، واستقامة أحوال، فإن الصدقة تدفع البأس والضر بإذنه -سبحانه وتعالى-، ونحن نعلم من هذه الفضائل ولا نحتاج أن نعيدها.

 

فنسأل الله -عز وجل- أن يجزي من يعين ومن يوصل الصدقات والزكوات والهبات والعطايا، ويفتح بابها.

 

ونسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يجعلنا من أسباب عون إخواننا، ونصرة ديننا، وكفاية المسلمين، أن يكونوا مضطرين لغيرهم.

 

أسأل الله -عز وجل- أن يبرم لأمتنا أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويهدى فيه أهل معصيتك.

 

اللهم يا حي يا قيوم أغننا بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك، وأغننا اللهم بفضلك عمن أغنيته عنا، ولا تجعل لنا إلى سواك حاجة، واجعلنا أغنى الأغنياء بك، وأفقر الفقراء إليك، واجعلنا اللهم يا حي يا قيوم في سبيلك منفقين، ولإخواننا المسلمين معينين، واجعلنا اللهم في سبيل نصرة الإسلام ونصرة الجهاد والمجاهدين في سبيلك عاملين يا رب العالمين.

 

الملفات المرفقة
نسأل-الله-حسن-الختام-2
عدد التحميل 0
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات

تم اغلاق التعليقات